حوزة الغريفي النسائية - ويلهم ......أضاعوا الوصية.....الطالبة جهينة الوداعي
       -    -  فعاليات أسبوع الوحدة 1429هـ  -  الامام الحسن عليه السلام جمرٌ بين الرماد  -  قتيل العبرات  -  صرخة الآل  -  عيد الغدير العيد الأكبر  -  إعلان الدورات الخاصة بالحوزة 22/10/2007م  -  مشاركة الدكتور النجدي في الأفطار الذي أقامته الحوزة 25 رمضان 1428هـ  -  سلسلة الآل الأطياب في السنة والكتاب (15) الإمام أمير المؤمنين (ع)  -  سلسلة الآل الأطياب في السنة والكتاب (14) الإمام الحسن المجتبى (ع)  -  مؤتمر المرأة المسلمة وتحديات العصر......الحجاب نموذجا  -  العمرة الرابعة للمتفوقات 2007-1428هـ  -  سلسلة الآل الأطياب في السنة والكتاب (13) السيدة فاطمة الزهراء (ع)  -  اعلان عن الدورة الحوزوية النظامية والنشاط الصيف لعام2007م  -  سلسلة الآل الأطياب في السنة والكتاب (12) الامام الحسن العسكري عليه السلام  -  سلسلة الآل الأطياب في السنة والكتاب (11) النبي محمد (ص)  -  سلسلة الآل الأطياب في السنة والكتاب(10) الإمام الرضا (عليه السلام)  -  سلسلة الآل الأطياب في السنة والكتاب(9) الإمام الحسن المجتبى (ع)  -  سلسلة الآل الأطياب في السنة والكتاب(8) الإمام زين العابدين (ع)  -  سلسلة الآل الأطياب في السنة والكتاب(7) عاشوراء الحسين "ع"  -  إعلان عن دورات تقوية وعلوم قرآنية.. 14/1/2007م  -  الحضور النسائي في الاحياء العاشوري  -  سلسلة الآل الأطياب في السنة والكتاب(6) عيد الغدير  -  سلسلة الآل الأطياب في السنة والكتاب(5) الإمام الباقر "ع"  -  سلسلة الآل الأطياب في السنة والكتاب(4) الإمام الجواد  -  الرحيل الحزين.. اصدار خاص بمناسبة رحيل العلامة المجاهد الشيخ عبدالامير الجمري  -  سلسلة الآل الأطياب في السنة والكتاب(3) الإمام الرصا "ع"  -  سلسلة الآل الأطياب في السنة والكتاب(2) الامام الصادق(ع)  -  سلسة الآل الأطياب في السنة والكتاب(1) رد الشمس لأمير المؤمنين(ع)  -  مركز بقية الله للعلوم القرآنية  -  لقاء الطالبات وأهالي منطقة الماحوز بالشيخ الكاظمي  -  اعلان عن الاحياء السنوي الثاني مع الشيخ الكاظمي  -  اعلان عن الدورات الخاصة  -  كن صائماً.............أم مقداد  -   في انتظار المصلح..........أم مقداد  -  لقاء السيد محمد رضا الغريفي بطالبات الحوزة/15 من شهر رمضان1427هـ  -  حوزة الغريفي النسائية في مقرها الجديد  -  الدورة الصيفية السابعة لعام 2006م  -  رحلة الحوزة الى العتبات المقدسة في جمهورية ايران الاسلامية 1427هـ 2006  -  عمرة المتفوقات الثالثة 2006م  -  الحوزوية العدد 16  -  ملحق خبري رقم 2  -  إعلان العمرة الثالثة وزيارة الجمهورية الإسلامية  -  ملحق خبري رقم 1  -  إعلان برنامج الدورة الصيفية السابعة 2006م  -  حوزة الغريفي النسائية في رحاب الآل 26/4/2006م  -  ولاؤنا بين مقصلة التكفير ومطرقة التشكيك..... أم مقداد  -  عندما يفلت الزمام................م. ثريا المدني  -  نشرة الحوزوية العدد 15 صفر + محرم الحرام 1427هـ  -  صور.. استضافت الحوزة يوم الاربعاء 29/3 المحقق الشيخ نجم الدين الطبسيمقالات قديمة     

  القائمة الرئيسية

  المكتبة المقروءة


  رأيك له قيمة
كم تقرأين من القرآن يوميا؟

جزء فأكثر
نصف جزء
ربع جزء
صفحة واحدة
غير منتظمة
لا أقرأ إلا نادرا



نتائج
تصويتات

تصويتات 2822

  حركة زوار الموقع
مجموع الزيارات
· اليوم: 366
· أمس: 394
· المجموع: 1,353,897

متوسط الزيارة:
· لكل ساعة: 29
· يوميا: 618
· شهريا: 18,804
· سنويا: 225,650

  من يتصفح الآن
يوجد حاليا, 6 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أكبر تواجد: 107
بتاريخ: 04-02-2009
الساعة: 07:09:21
ويلهم ......أضاعوا الوصية.....الطالبة جهينة الوداعي
أرسلت في 26-3-1426 هـ بواسطة مديرة الحوزة

دراسات وبحوث
ويلهم ..............أضاعوا الوصية
 
الإهداء
إلى من انتشلني من الفشل... وغرس في قلبي بذور الأمل... فاقتادني إلى النور في زمن مظلم... وعلى ضفاف نهر الشوق... بعثت رسالتي التي لا تستحق أن تبعث إلى مثل شخصك..


 
لكنها نتاجي الأول ... وأردت أن أهديك شيئا... ولكن... تحطّم قلمي... ونفذت كلماتي... ولم تنفذ معانيك... فما وجدت في بضاعتي غير رسالتي هذه ... فتقبلها هدية مني إليك....
 
                                إليك أنت يا سيدي......................
 
جهينة....
 
 
 
 
المقدّمة:
 تجري الأحداث في هذا العصر... مسرعة متلاحقة ... تبدّلٌ في أوضاع الحياة... وتغيّر في أنظمتها على وجه لم تشهده الإنسانية ولم تعرف له مثيلاً من قبل.
وتبدّل الأحوال وتغيّر الأوضاع سنّة قائمة على هذا الوجود، ونظام ممسك بكل كائن في هذه الحياة... وغالباً ما يكون التبدّل نحو الرقي والتطور... ولكن أمتنا الاسلامية يعتريها الهبوط... فمع كل هذا الرقي والنمو نجد أمتنا تنحدر كالسيل... وتتأزم أوضاعها... بعد أن كانت ترتقي في سلّم المجد، وتربو على كل أمم الأرض... تفخر بأمجادها ... باتت تعدّ جراحها... وتبحث عن قتلاها... تناشد العالم ليعيد مجدها السليب... ليشتدّ عودها كما كان... ولكن... هيهات الرجوع!!  فطالما الخط هو الخليفة الأول ... والقدوة هو الخليفة الثاني... والمنطلق هو السقيفة... فلا مجد ولا أمجاد... إنما انتكاسة يتبعها سقوط إلى قعر الهاوية.
 
نعم ... السقيفة!!
بحثت ... فوجدت السقيفة هي السبب... السبب في نزاع الأمة... السبب في سقوط الأمة... في تمزقها... في رجعيّتها... في كل بلاء يحلّ على الأمة.
لقد أوهت سقيفتهم قوة المسلمين، وجعلتهم كالقطيع المتناثرهنا وهناك ، فذهبت جهود الرسول(ص) في أمة رضيت بالذل بعد نبيها... حتى لشدّ ما أصاب المسلمين من سوء الحال أنهم تزاحموا على أمير المؤمنين(ع) إلى أن وطئ الحسنان... وشقّ عطفاه...  فكان كما قال:"فما راعني إلا والناس كعرف الضبع إليّ، ينثالون عليّ من كل جانب... حتى لقد وطئ الحسنان، وشقّ عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم..."
أولم يكن علي بن أبي طالب أول من أسلم؟ ... ألم يكن أول من صلى مع رسول الله (ص)؟ ... أوليس أزهد الناس؟؟؟  فياويلهم من عصابة نهبت تراث البيت العلوي واعتدت على الإسلام...
والسقيفة بعد هذا من أهم الموضوعات، وأبعدها أثراً في تاريخنا الاسلامي، حيث تشابكت حوله آراء المؤرخين والعقائديين وامتدّ فيها الجدل واسعاً بينهم، باعتباره ( فتنة) وقى الله المسلمين شرّها على حدّ قول بعد
 
 
أطرافها وباعتباره (انقلاباً) تطبيقاً لما جاء في قوله تعالى ﴿أفإن مات أوقتل انقلبتم على أعقابكم...﴾
    لذلك احتاج البحث فيها إلى وقت وبذل الجهد لاستنطاق الحقائق التاريخية، ولكن لضيق الوقت وانشغالي بأمور أخرى لم أتمكن من تحقيق الكثير في الموضوع، إلا إني أحمد الله على ما توصلت إليه، وأشكر كل من كانت له اليد الطولى في إتمام بحثي هذا ممن أعانني في الحصول على المراجع والمصادرالهامة، ومن أشار عليّ في اختيار الموضوع ...
حقيقة استفدت كثيراً من كتاب السقيفة لشيخنا المظفّر ( رحمه الله) كما وإني قد نهجت منهجه في عرض الموضوع معتمدة على اسلوب النقاش وطرح التساؤلات... فبدأت بالحديث عن أزمة التاريخ ومسخ الحقائق التاريخية من الحكم والسلطان، والتي نسفت الصيغة الإلهية في خلافة الأرض.
وقد ضمّ بحثي هذا ثلاثة فصول:
1-  الفصل الأول: وكان عن النبي(ص) والخلافة، والترتيب الإلهي لانتقال الإمامة، والخلافات التي حصلت في قضية الاستخلاف، وإيكال الأمر إلى الأمة؛ ثم ختمت الفصل الأول ببعض المواقف التي تثبت أحقية أمير المؤمنين(ع) للخلافة.
2-  الفصل الثاني: فكان عن تدبير النبي(ص) لمنع الخلاف، فبدأت ببعث أسامة وختمت بآخر تدبير للنبي(ص) قبيل وفاته.
3-     الفصل الثالث: فهو بيعة السقيفة والظروف التي أحاطت بها.
 
وأنهيت البحث بملحق عرضت فيه خطبة الشقشقية مع بعض الأبيات، وأوضحت فيه أسماء المعارضين للسقيفة.
وبشكل عام فقد تناولت بعض الحقائق التاريخية استندت فيها إلى أدلة الطرفين، وأكثرها مما ورد في كتب العامة كصحيح البخاري ومسلم.
فمنيتي هي أن أكون قد وفقت في اخراج هذا البحث بالشكل المرضي، وأن أكون قد قدمت شيئا ذا أهمية، وإن لم يكشف عن حقائق جديدة... ولكنه... تذكرة.
                                     وعذرا على التقصير......
 
الباحثة


 

توطئة:-
محنة التاريخ:
كثيراً ما كانت الطريقة التي سلكها المؤرخون في بحث أحوال الماضي من هذه الأمة موغلة في التواطؤ تارة وفي الغباء طوراً، فالأحداث كما تقع في الماضي تختلف كلها عما يكتب على أديم الأرض، وذلك كله راجع إلى أسباب معينة، قصيّة بأن تكون تمهيد لبحثنا هذا، ومدخلاً لفهم صراحته وجرأته في تناول بعض الحقائق التاريخية في صورتها الجليّة.
إن تراثنا تشكل من خلال لعبة تاريخية، وقفت من ورائها سلطة الخلفاء التي كانت تنهج نهجاً تحريفياً في كل المؤسسات الاجتماعية والثقافية، من أجل خلق واقع منسجم، تتطابق فيه البنى السياسية بالاجتماعية والثقافية. ولأن القطاع الثقافي والتعليمي يشكّل ركيزة المجتمع الحضاري، وأساساً للدولة العقائدية، فإن المؤسسة السلطانية لعبت دوراً كبيراً في إعادة ترتيب محتوياتها الداخلية من أجل سلب العناصر النقيضة لتلك المؤسسة، وتفريغ كل ذلك المحتوى من كل ما من شأنه أن يكون قنبلة موقوتة تهدد بقاء تلك المؤسسة.
وليس عجيباً أن يذكر التاريخ أمثلة كثيرة على ذلك، تعكس حرص المؤسسة
السلطانية على التصرّف في الجهاز المعرفي والثقافي للأمة، ونزوع حالة من الشمولية تجعل الفكر محكوماً برقابة شديدة وتحت رحمة الرغبة الخلفائية.
ومن هنا تبين كيف أن التحريف لم يخدم فقط الواجهة السياسية بل انعكس ذلك ايضاً على فلسفة التأريخ وعلى مناهج التأريخ وشخصية المؤرخ، فبعض المؤرخين تألق نجمهم وتلألأ في سماء التراث الاسلامي، على الرغم من صغر حجمهم ونبوغ غيرهم، ذلك بأن المؤرخ كان نفسه يعاني أخطر محنة في الماضي، وان مهنة التاريخ كانت اخطر مهنة يمكن تصورها ساعتئذٍ ومن هنا كانت الألمعية والشهرة من شأن المؤرخين المتزلفين للبلاط والمدافعين عن نهج الخلفاء، تعطى لهم الامتيازات بسخاء، وتقدم لهم المناصب على أطباق من ذهب، في حين انطفأ فيه نجم النابغين الذين أفنوا حياتهم في العلم وبرعوا في هذه الصناعة، وترفعوا عن الاختلاف إلى أبواب الخلفاء. فكل ذلك كان بسبب ما تقتضيه السياسة من تحريف الحقائق وتزوير الأحداث بما يتفق مع منهجها السياسي أو هواها السلطاني، وما تلزمه تلك العملية من تقريب المتزلفين وتهميش العلماء المستقلين وعلى الرغم من كل ذلك يبقى التاريخ ضرورة لا غنى عنها، والنظر في أحوال الماضي ضرورة علمية لا مناص من مزاولتها، لأنها وحدها كفيلة بأن تطلعنا على حقيقة ما جرى في الماضي لفهم ما يجري في الحاضر، وفيما يتعلق بالتراث الاسلامي، لا بد من تركيز الاهتمام بالتاريخ ومناهجه وكيفية ضبط الوثائق ونقدها ... لسببين بسيطين:
    الأول: لأن الرواية –وهي شأن تاريخي- تعتبر أساساً لكل ما له علاقة بالاسلام؛ من فقه وأصول وكلام وتفسير ولغة و ... فالقرآن وهو أهم مصدر في الثقافة الاسلامية لم يكن يهم الأجيال فيما لو كانت الرواية التاريخية لا أهمية لها على المستوى العلمي. فالقرآن وصل عبر الرواية والمصاحف المعمول بها اليوم تعتمد على رواة تاريخيين، هذا بالاضافة إلى السنة المدونة التي ابتدأت بالرواية ولا زالت. فالتأريخ نافذة ضرورية لا مهرب منها ومن احكامها.
الثاني: لأن الاسلام كان دائماً يوجه إلى فتح نافذة التارخ للوقوف عند تجارب الأمم، واستخلاص العبرة منها بما يصلح لإفادة الحاضر والمستقبل.
والقرآن يتسع لفيض من تلكم الآيات التي تحث على تدبر الماضي وقراءته قراءة تاريخية منتجة، ويستخدم كلمتين في شد الناس إلى التاريخ ويركز كثيراً على إحداهما؛ والكلمتان هما: الماضي، والماقبل.
ففيما يتصل بالماضي، يذكر القرآن آيتين:
 ﴿ فأهلكنا أشد منهم بطشاً ومضى مثل الأولين﴾[1]
﴿ وإن يعودوا فقد مضت سُنة الأولين ﴾[2]
وربط كلمة ماضي بالأولين، في حين استخدم عبارة ( ما قبل، من قبل) كثيراً. إنه لا يعتبر الماضي أمراً غابراً، خصوصاً في مقام الحديث عما يفهم منه حديث عن السنن الاجتماعية، فإنه يستخدم عبارة (ما قبل)، أو(من قبل)، ليبين بأن المسألة لها صلة بكل أطوار] الحياة[ والتأريخ وبأن الحدث الواقع في الماضي هذا له امتداداته... على الحاضر والمستقبل. ومن هنا، ليبين بأن النظر إلى الماضي وهو نظر في الحاضر والمستقبل، نظرة من الخلف، وذلك من أرقى مبدأ في فلسفة التاريخ، وأهم قاعدة في منهجه. يقول تعالى:﴿ سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدراً مقدورا﴾[3]، وكذا﴿ سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجدا لسنة الله تبديلا﴾[4]،  ﴿ وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذاباً أليماً ﴾[5] ، ﴿و لايكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل ﴾[6]، ﴿فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات﴾[7]
بعد هذا كله لم يعد هناك ما يحجب الانسان الباحث – حقيقة- النظر في تاريخ الأمم لفهم طبيعة ما يجري في الحاضر، إذ ليس الحاضر إلا امتداد لذلك الماضي مأسور بحباله مثقل بأوزاره.
لقد أحدث الاسلام في بداية الدعوة قطيعة تاريخية بكل ما سبق من جهالات ولكننا لم نفز بكتاب يحدث بيننا وبين ما رزح به تاريخنا، قطيعة تجعلنا نرتبط بالاسلام المحمدي مباشرة وندخل في أجواء النص بدون عوائق" [8].
الحق كل الحق؛ أنه لن يكون لهذه الأمة من شأن حتى تعيد النظر في رؤيتها التاريخية وتتحرر من عقدة الصنمية – إذ ليس الصنم إلا تقديس الوهم، وأساطرة التاريخ، وتضبيب الغاية من نزول الرسالة. وتسافر في رحاب الرسالة الاسلامية بعقل جديد... وذهنية جديدة. وستكون رحلتها هذه حرب حقيقية بين ظلمة التراث ونوره، وبين رجعيته وتقدميته.


الفصل الأول:
 
1- الترتيب الالهي في خلافة الأرض.
 
أ- الترتيب الالهي لانتقال منصب الامام بعد وفاة الولي.
ب- اختصاص تعيين النبي الامام.
ج- من هو هذا الامام.
د- المختص بتعيين الخليفة من بعد النبي الامام.
 
2- هل كان (ص) يعلم بأمر الخلافة؟
 
3- هل وضع حلا للخلاف؟
 
4- إيكال الأمر إلى اختيار الامة.
 
{ نكتة هامة.
 
5- الإجماع على قاعدة الاختيار.
علي (ع) ونص الخلافة.
أ- يوم الدار.
ب- أحاديث الوصية الأخرى.
ج- يوم الغدير.


 

1-  الترتيب الالهي في خلافة الأرض:
 
أ‌-      الترتيب الالهي لانتقال منصب الامام بعد وفاة الولي:
        الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن كرسالة وعقيدة إلهية  إلى بني البشر. وكضرورة من ضرورات بيان وتوضيح هذه العقيدة أنزل هذا القرآن على محمد (ص) بالذات لأنه المعدّ من قبل الله ليكون الأعلم بالعقيدة والأفهم لأحكامها، تلك العقيدة التي هي بمثابة المجموعة القانونية النافذة. ولأنه هو الأفضل من بين أتباع هذه العقيدة ولأنه من جهة ثالثة هو الأنسب لقيادة هؤلاء الأتباع في الحال والمال. ومن هنا فقد كان النبي هو مرشد الدعوة وعندما تمخضت الدعوة عن دولة ترأس محمد (ص) الدعوة بنفسه. وسيرة محمد سنّة  وجزء من العقيدة سواء قوله أو فعله أو تقريره ولا أحد في الدنيا كلها ينوب عن محمد (ص) بهذه المهمة ولا أحد يغني عنه او يسد مسده أثناء حياته المباركة. النبي محمد (ص) كمرشد للدعوة، وكقائد للدولة هو مركز الدائرة وقائد الأمة ومرجعها في كافة الشؤون الدينية والدنيوية.
 
ب‌-اختصاص تعيين النبي (ص) الامام:
إن صاحب الاختصاص بتعيين الامام هو الله سبحانه وتعالى لأن أول ولي وإمام ورئيس للدولة الاسلامية هو النبي محمد (ص) وقد عينه الله في هذا المنصب، لما اتصف به (ص) من صفاته المذكورة سلفاً (الأعلم، والأفهم...)، ولأنه لا أحد يعرف على وجه الجزم واليقين المتصف بهذه الصفات إلا الله لذلك حصد بنفسه حق اختيار هذا الامام أو المرجع أو الولي وتقديمه للناس، وخوّل هذا الامام صلاحية بيان العقيدة في كل زمان وصلاحية المرجعية وصلاحية الجمع بين الولاية على الأتباع والمرجعية في الدين والدنيا والحكم بين الناس على ضوء أحكام هذا الدين.
 
ج- من هو هذا الامام؟
            إمام الأمة في كل زمان هو عميد أهل بيت النبوة، لأن القرآن ثقل وأهل البيت ثقل آخر، وإن الهداية لاتدرك إلا بالتمسك بالثقلين، والضلالة على المدى البعيد وبالنتيجة لا يمكن تجنبها إلا بالتمسك بالثقلين وهذا ليس اجتهاداً إنما هو نص شرعي ثابت في القرآن والسنة بفروعها الثلاثة ( القول – الفعل – التقرير)، ولأن الله يبين لنا أنهم – للمسلمين- بمثابة سفينة نوح من ركبها – في كل زمان- نجاو من تخلف عنها غرق، ولأنهم من جهة ثالثة الأمان من الإختلاف و قد أعدهم الله – تعالى- لذلك، و جعلهم ذرية محمد(ص) فكل نبي من الأنبياء جعل الله تعالى ذريته في صلبه "و جعل ذرية محمد في صلب علي و من بطن فاطمة"[9]
 
د- المختص بتعيين الخليفة من بعد النبي الإمام:
 الله سبحانه – وحده – يعلم من هو الأعلم بالعقيدة و الأفهم لأحكامها و الأفضل و الأنسب للقيادة، و تطبيق أحكام العقيدة، لذلك فهو المختص لنعيين الخليفة من بعد النبي (ص)، و من هنا فإن الله قد اختار علي ابن ابي طالب (ع) خليفة و إماماً و مرجعاً للأمة بعد نبيها، و قد أمر الله رسوله (ص)، أن يعد خليفته و ان يوطد له، حتى أصبح الأعلم و الأفهم و الأفضل و الأنسب بعد النبي (ص)، و هو المؤهل و المخول بممارسة كافة الوظائف الدينية و الدنيوية التي كان يمارسها رسول الله (ص) باستثناء النبوة فلانبي بعده، و قد بين الله لنا من خلال رسوله (ص) أن(علياً مع الحق و الحق مع علي يدور حيث دار) لذلك هو موضع ثقة.
   زبدة المخض أن الخلافة في هذه الأرض لله سبحانه و تعالى،  يتخير من عباده من يشاء، و ليس لأحد من عباده أن يختار أو ينقض أو يبرم أمراً مخالفاً لأمره سبحانه.
 
2-  هل كان (ص) يعلم بأمر الخلافة؟
ربما هتاك ثمة من يعتقد بأن النبي (ص) لايعلم بما سيجري بعده من خلافات و حوادث من أجل الخلافة , و لكن دون أدنى شك, إن كل من يمت إلى الاسلام بصلة العقيدة لا بدّ أن يثبت عنده على الأقل أن النبي(ص) صّدح في مقامات كثيرة بما ستحدثه أمته من بعده، فقد قال غير مرة: ( ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، فرقة ناجية والباقون في النار)
" وأكثر من ذلك أنه لم يستثن من أصحابه إلا مثل همل النعم، ثم هم يدخلون النار بارتدادهم بعده على أدبارهم القهقرى، أو يردون عليه الحوض فيختلجون بما أحدثوا بعده"
وفي بعض الأحاديث: ( فيقال لي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم) ، وأخبرهم أنهم يتبعون سنن من قبلهم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا حجر ضبّ لتبعوهم
    والخلافة أمر كانت تحدثه به نفسه الشريفة، ويشير إليها أنها ستكون ملكاً عضوضاً بعد الثلاثين سنة.  وثبت أنه قال: ( هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش) ، كما قال: ( من لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) ، وقال... وقال... إلى ما لا يحصى. وسيترته والأحاديث عنه- وما أكثرها- تشهد شهادة قطعية على ما كان من اختلاف أمته، وعلى أن الخلافة والإمامة من أولى القضايا التي كانت نصب عينيه.
 
3-  هل وضع حلاً للخلاف؟
       إذن كان- صلى الله عليه وآله- عالماً بأن الدهر سيقلب لأمته صفحة مملوءة
       بالحوادث والفتن، والخلافات والمحن، وأن لابدّ لهم من خلافة وإمارة، فلا بد
       أن نفرض أنه قد وضع حلاً مرضياً لهذا الأمر يكون حداً للمنازعات وقاعدة
       يرجع إليها الناس، لتكون حجة على المنافقين والمعاندين، وسلاحاً للمؤمنين، ما
       دمنا نعتقد أنه نبي مرسل جاء بشيراً ونذيراً للعالمين إلى يوم يبعثون فلم يكن
       دينه خاصاً بعصره، ليترك أمته بعده سدى من غير راع أو طريقة يتبعونها،
      مع علمه بافتراق أمته في ذلك.
      ولا يصحّ من حالكم عادل أن يحكم بنجاة فرقة واحدة على الصدفة من دون بيان
      وحجة تكون سبباً لنجاتهم باتباعها، وسبباً لهلاك باقي الفرق بتركها.
      لنفرض أن الحديث والتأريخ لم يسجّلا لنا الحل الذي نطمئن إليه، فهل يصح أن نصدقهما بهذا الإهمال، ونوافقهما على أن النبي(ص) ترك أمته سدى، وفي فوضى لا حدّ لها يختلفون ويتضاربون؟ ، وتراق آلاف الدماء المسلمة، ساكتا عن أعظم أمر مني به الاسلام والمسلمون، مع أنه كان على علم به؟ . ولو كنا نصدقهما مستسلمين لكذبنا عقولنا وتفكيرنا، فإن الاسلام جاء رحمة لينقذ العالم الاسلامي من الهمجية والجاهلية الأولى، فكيف يقرّ تلك المجازر البشرية في أقصى حدودها، تلك المجازر التي لم يحدّث التاريخ عن مثلها ولا عن بعض منها في عصر الجاهليين.
فما علينا إلا أن نتهم التاريخ والحديث بالكتمان وتشويه الحقيقة بقصد أو بغير قصد، ولئن لم يكن محمد نبياً مرسلاً يعلم عن وحي ويحكم بوحي، فليكن- على الأقل- أعظم سياسي في العالم كله لا أعظم منه، فكيف يخفى عليه مثل هذا الأمر العظيم لصلاح الأمة بل العالم بأسره مدى الدهر، أو يعلم به ولا يضع له حداً فاصلا؟ وهل يرضى لنفسه عاقل يتولى شئون بلده فضلاً عن أمة، أن يتركها تحت رحمة الأهواء واختلاف الآراء ولو لأمد محدود، وهو قادر على اصلاحها أو التنويه عن إصلاحها، إلا أن يكون مسلوباً من كل رحمة وإنسانية؟
حاشا نبينا الأكرم من جاء رحمة للعالمين ومتمماً لمكارم الأخلاق وخاتماً لنبيين... وقد قال الله تعالىعلى لسانه بعد حجة الوداع" اليوم أكملت لكم دينكم". وقد وجدناه نفسه لا يترك حتى المدينة المنورة، إذا خرج لحرب أو غزاة، من غير أمير يخلفه عليها، فكيف نصدّق عنه أنه أهمل أمر هذه الأمة العظيمة بعده إلى آخر الدهر، من دون وضع قاعدة يرجعون إليها أو تعيين خلف بعده.
 
4-  إيكال الأمر إلى إختيار الأمة:
إن كل ذي لبّ، يفكر تفكيراً حرّاً ، بعيداً عن تأثير العاطفة، مقتنع تماماً بأن الرسول(ص) لم يوكل اختيار الخليفة من بعده إلى أمته، ولكن هناك من يلصق التكهنات ويعدّها مفخرة للاسلام وهي أن الخلافة بعد رسول الله(ص) أوكلت إلى انتخاب الأمة معتبراً الانتخاب من أرقى التشريعات الحديثة وقد سبق إليها الاسلام. والحق أن هذه  تهمة لا تعدّ مفخرة يمتدح بها الاسلام، بل أن إيكال الأمر- مدى الدهر- إلى اختيار الأمة في تعيين الرئيس هو عين الفوضوية، وليس معناه إلا إلقاء الأمة في أعظم هوّة من الخلاف لا حدّ لها ولا قعر، وسرّ ذلك أن الناس مختلفون متباينون، ليس بينهم اثنان يتفقان في فكر أو عاطفة أو ذوق أو عادة أو عمل- حتى التوأمين- إلا من التشابه القريب أو البعيد من غير اتفاق حقيقي، كاختلافهم في أجسامهم وسحنات وجوههم، فالناس مختلفون في كل شيء من دقائق أجسادهم وأخلاقهم ونفوسهم وعاداتهم فلم يتفق لشخصيين أن يتفقا تحقيقاً حتى في بصمة الأصابع، حتى قيل إن كل فرد من الانسان نوع برأسه. وعليه فيستحيل أن تتفق أهل بلدة واحدة على حكم واحد، أو عمل واحد، فضلاً عن أمة كبيرة كالأمة الاسلامية على توالي الزمان، وبالأخص إذا كان الحكم مسرحاً للعواطف والأغراض الشخصية والتحيزات كالحكم في الزعامة العامة.
ومن هذا نستنتج أن الرأي العام الحقيقي غير موجود أبداً، بل يستحيل وجوده لأية أمة في العالم؛ ومن خطل الرأي أن يطلب الانسان تكوين الرأي العام ونوحيد اختيار الأمة بأسرها لأمر من الأمور، على أن محاولة ذلك يستحيل أن تسلم من منازعات دموية واضطرابات شديدة إذا كان تكوينه يراد لأمر ذي شأن، إلا أن يكون هنا حاكم يفصل بين المتنازعين بماله من القوة القاهرة لمخالفيه، كما هو موجود فعلاً في الانتخابات الجارية عند الأمم المتمدنة، فإ، تحكيم الأكثرية ذات القوة خير علاج على منازعاتهم في الأمور العامة.
وإن تحكيم الأكثرية –في الحقيقة- فرار من محاولة تكوين الرأي العام الحقيقي، بل هو اعتراف باستحالته، ومع ذلك لم يستغنَ –غالباً- عن الرجوع إلى الأكثرية ليكون لها الفصل عن ملطفات ومؤثرات أخرى تنضم إلى قوته الطبيعية، أهمها سلطة الحكومة، والقانون العام القاضي بتحكيم الأكثرية الذي أصبح بحكم التقليد لا مسيطراً على معتنقيه. وبتوسيط أمثال هذه الأمور يمكن التسوية بين الأكثرية على رأي متوسط، وإلا فالإتفاق الحقيقي على تفاصيل الأمور يستحيل في الأكثرية. وهذا الرجوع  إلى الأكثرية آخر ما توصل إليه الانسان بعد العجز عن تحصيل الاتفاق الحقيقي وبعد أن فشل البشر على مر تلك القرون الطويلة التي أنهكته بالتجارب القاسية، يفوجد ذلك خير ضمان للسلام في الأمم. وليسمعنى ذلك أن الأكثرية لا تخطىء، كيف والجماعات دائماً تفكر بأحط فكرة فيها، ومن مزاياها أنها خاضعة لسلطان العاطفة، فهي علاج لفض المنازعات ليس إلا، لا لضمان تحصيل الرأي المصيب.
وبهذا البيان نخرج إلى فكرة.. أن تعيين الرئيس أو غيره بالانتخاب الذي هو أرقى التشريعات الحديثة معناه الرجوع إلى الأكثرية دائماً التي أصبحت من التقاليد المرعبة عند الناس في هذا العصر، وهذا لم يسبق إليه الإسلام، ومن يدعي أن النبي (ص) أوكل أمته إلى اختيارهم  في تقرير شئون الخلافة لا يدعي أنه شرّع قانون الأكثرية لأنه ليس لهذه الدعوة شاهد في زبر الأولين، على أنه –كما ذكرنا- لا يسلم من الخطأ، يفلا يسوغ لنا أ، ننسبه إلى من لا ينطق إلا عن وحي ولا يريد إلا الحق. وإذا ادُعي أنه أوكل الأمر إلى اتفاق أمته واختيارهم جميعاً، فمنخطل الرأي، إلا إذا جوّزنا عليه أن يطلب المستحيل أو تعمّد إيقاع أمته في منازعات دائمة تفضي إلى إزهاق النفوس وإضعاف القوى المادية و الأدبية، ثم إلى ضعف كلمة الإسلام في الأرض. فتلخص أن هذا التشريع –أعني تشريع تعيين الإمام بالنتخاب- لا يصح لنا أن ننسبه إلى منقذ البشرية من الضلالة إلى الهدى الذي لا ينطق إلا عن وحي، سواء فسرناه بالأكثرية أو باتفاق الجميع.[10]
ومهما حاولنا إصلاح هذا التشريع – وهو إيكال الأمر إلى تعيين الأمة- بتفسير (الأمة) بأهل الحل والعقد منهم خاصة، فلا أجد هذه المحاولة تسلم منذلك النقص البارز فإن أخل الحل والعقد وكبار الأمة هم بؤرة الخلاف والنزاع، فإنّ الخاصة مع اختلاف نفوسهم وتباين نزعاتهم كسائر الناس، لا ينفكون عن تحيزات فيهم أعظم منها في غيرهم. ويندر  أن يتجردوا من أهواء نفغسية وأغرض شخصية، تجعل كل فرد يشرئب إلىهذا المنصب الرفيع، ما هُيّء له ووجد مجالاً  لارتقائةٍ، ولو عن غير قصد، بل عن رغبة نفسية كامنة هي غريزية لا يفطن لها صاحبها أو لا يعدّها باطلاً وخروجاً عن محجة الصواب. بل حب النفس قد يحمله على الاعتقاد بأنّ زعامته أصلح للأمة وأجدى، فيوحي الهوى للنيفس البرهان المقنع على صحة رأيه. وللمعتقد أن يعتقد أن الخليفة أبا بكر تفطّن إلى سوء عواقب هذا التشريع، فأسرع إلى تعيين الخليفة من بعده، بالرغم من جدّة هذا التشريع الذي كان به أصلاً خليفة، وعلى تركزه في النفوس تتوقف صحة خلافته. كيف لا وقد شاهد الموقف في بيته يوم السقيفة، وكان أدق من سمّ الخياط، مع غفلة الناس يومئذ عن الأمر، وانشغالهم بفاجعة نبيهم.
وهكذا حذا حذوه خليفته، فاخترع طريقة الشورى من ستة أشخاص، وهي تبعد كل البعد عن قاعدة الرجوع إلى اختيار أخل الحل والعقد، على أننا وجدنا هؤلاء –وهم ستة لا غير- لم يتفقوا على رأي واحد، فلعبت الأهواء دورها والتحيزات والعواطف، فصغى رجل لضغنه، ومال الآخر لصهره. على حد تعبير الامام علي بن أبي طالب (ع).
ولا شك؛ لم يخفَ على الخليفة (عمر) استحالة حتى اتفاق الجماعة الصغيرة، فحكّم فيها الأكثرية، وعند التساوي يفالكفة الراجحة التي فيها عبد الرحمن بن عوف. ومع ذلك حدد لهم الوقت بثلاثة أيام، وأعطى السلطة التنفيذية لغيرهم، ليقهرهم على تنفيذ خطته، لماذا كل هذه القيود التي وضعها، مع تهديدهم بالقتل إن تأخروا عن الموعد ولم يُبرموا العهد؟! لا شك أنها كانت لقصد الابتعاد عن الخلاف والنزاع الطبيعي لمثل هذا الأمر، إذا ألقى حبله على غاربه. وهنا وجدنا كيف أحكم عمر بن الخطاب وضع هذه الخطة، اتقاء للخلاف والنزاع على اليإمارة الذي لا ينفك عادة عن إراقة الدماء، في وقت أراد ألا يتحمل  تبعة تعيين شخص الخليفة بعده، أو أنه في الأصح لم يجد نيفسه تميل كل الميل إلا لتعيين أحد الثلاثة الذين ماتوا حينئذ، وهم أبو عبيدة الجراح، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل.
ولا أعجب أن يكون أبو بكر وعمر تفطّناً إلى ما في تشريع إلقاء الأمر على عاتق اختيار الأمة من فساد، وما ينجم منه من جدال وجلاد. ولكن عجبي ممن يتشرع فينسب ذلك التشريع إلى النبي الحكيم الذي لا يفعل عن وحي ولا يحكم إلا بوحي. ومع ذليك يدعي الاسلام وعرفان الرسول العظيم. ولو كان للخليفة عصمان كلمة تشمع ورأي يطاع إلى يوم حوصِر وأيس من الحياة، لما تأخر، عن تعيين من يخلفه قطعاً. ولكن الموقف كان أبعد من أن يتحكم عليه بمثل ذلك، وهو محاط به ليخلع.
إذا لم نعرف خليفة تعيّن بهذه الطريقة إلاّ  أبا بكر وعلي بن أبي طالب (ع)، وأبو بكر كانت بيعته فتنة أو فلتة وقى الله شرها على حد تعبير عمر عنها وهو نفسه الذي شيّد أركانها، ومع ذلك قال عنها: (فمن دعا إلى مثلها فهو الذي لا بيعة له و لا لمن بايعه).[11]
 أما علي (ع)، فبعد اتمام البيعة له قد وجدنا كيف انتفضى عليه نفس أهل الحل والعقد والإسلام بعد لم يرث والعهد قريب، وهؤلاء المنتفضون هم جلة الصحابة، وكانت حرب الجمل فحرب صفين اللتان أريقت بهما آلاف الدماء المحرمة هدراً، وانتهكت فيها حرمات الشريعة وشلت بهما حركة الدين الاسلامي.
"ولم نعرف بعد ذلك خليفة تعيّن إلاّ بتعيين من قبله أو بحد السيف، ولقد لعب السيف دوراً قاسياً جعل العالم الاسلامي يمخر في بحر من الدماء، ولم يُجرّئ الطامعين بالخلافة على خوض غمار الحروب إلاّ –سنُّ هذا القانون – ألا وهو قانون الاختيار.  قانون الاختيار  مهد السبيل لطلحة والزبير أن يشعلا نار حرب الجمل، ومهد لمعاوية ما اجترم، ولابن الزبير تطاوله للخلافة، وهو القصير، وللعباسيين ثورتهم على الامويين وبغيرهم ما شئت أن تحدث والحديث ذو شجون"[12]
إلى هنا أجد من نفسي القناعة والاطمئنان إلى القول بفساد تشريع تعيين الإمام باختيار أهل الحل والعقد. وهيهات أن يكون من النبي الحكيم مثل هذا التشريع، وكيف يخفى عليه ضرر هذا التشريع، ولا يخفى على عائشة –أم المؤمنين- يوم تقول لعمر على لسان ابنه عبد الله:( لا تدع أمة محمد بلا راع. استخلف عليهم ولا تدعهم بعدك هملا فإني أخشى عليهم الفتنة).
وما أدري لماذا لم يشِرْ أحد على محمد (ص) أن يستخلف أو يبين على الأقل طريقة الاستخلاف حتى لا يفتتنوا، كما أشارت عائشة على عمر؟ ولماذا لم يسأله أحد عن هذا الأمر، وهم يسألونه عن الكبيرة والصغيرة... لماذا؟!!
والمرجح أنه سئل فأجاب، ولكن التأريخ هو المتهم في إهمال مثل هذه القضية. على أن تأريخ الشيعة لم يهمل مثل هذا السؤال والجواب الصريح عليه.
والحق أننا ما سمعنا عن الرسول(ص) أنه قال يوماً : إنّ الاختيار في تعيين الامام لأهل الحل والعقد، أو أنه أمر الأمة باختيار الإمام بعده، لا تصريحاً ولا تلويحاً. على أن الدواعي جدّ متوفرة لنقل مثل هذا القول، والقوة والحول في صدر الاسلام إلى ما بعده في يد من يرتئي هذا الرأي ويدافع عنه، فليس لأحد أن يدّعي أن هذا الاثر قد خفي علينا أو امتنع الرواة عن نقله.
أجل! إلا أن الله تعالى قال في كتابه العزيز: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة). إذن لم يثبت عن النبي (ص) قول وتصريح في هذا الامر من الاتكال على اختيار الأمة، بل قال تعالى: ( ماكان لهم الخيرة).
 
نكتة هامة:
رجع البعض إلى القول بأن الرسول (ص) ترك بيان أمر الخلافة ليوقع الخلاف بين أمته رحمة بهم لما روي عنه (ص): (اختلاف أمتي رحمة). ولكن هيهات! إن لم تؤول الكلمة بما يتفق ومبادئ الاسلام، [13]فإ،ها الكذب الصراح على داعية الوحدة ومقاتل نزعات الجاهلية الأولى بسيف من الأخوة الاسلامية انتشل العرب من هوّة عميقة للتفرّق والنزاع والنزال.
إن أكبر ظاهرة للاسلام بل من أعظم أعماله، تلك الدعوة ‘لى الوحدة المطلقة بأوسع معانيها وتحطيم الفروق حتى بين الشعوب والأمم المختلفة؛ ألا (إنما المؤمنون أخوة). وليس هناك شيء في الاسلام غني عن البرهان بل عن البيان مثل دعوته إلى الوحدة والعغمل لها بكل الوسائل، ليكون المؤمنون كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً. وقد تجلّى ذلك ظاهراً في كثير من الأحكام العملية: في وجوب الحج موصلاة الجمعة والجماعة وحرمة الغيبة واللمز والغمز والقذف... وما إلى ذلك مما لا يحصى، وبعد هذا أيمكننا أن نتجرأ فندّعي أن الرسول (ص) يدعو إلى الخلاف! وأكثر من ذيلك يسعى إلى التفرقة، وأية تفرقة هي؟ إنّ هذا لبهتان عظيم وزور مبين!
 
الإجماع على قاعدة الاختيار:
وهنا لابد أن ننصف في القول فلا نجري القول على عواهنة، فإني لم أعرف عن إخواننا أهل السنة أنهم فسروا هذا الصمت المدّعى – صمت الرسول(ص) عن بيان أمر الخلافة- بذلك التفسير(ألا وهو إرادة إيقاع الخلاف بين أمته) إلاّ من قلّ. وعلى الأقل أنهم لم يجعلوه وحده دليلاً على إيكال أمر الخلافة لاختيار أهل الحل والعقد، وإنما يستدلون بإجماع أهل الصدر الأول على كفاية اختيار أهل الحل والعقد، بدليل بيعة أبي بكر يوم السقيفة. وعندهم الاجماع حجة لما روي عنه عليه الصلاة والسلام، "لا تجتمع أمتي على الخطأ" و "ولا تجتمع أمتي على ضلال"، ولكن الشيعة لا يعتبرون مثل هذا الاجماع، وإنما يعتبرون الاجماع إذاكشف عن رضى إمام معصوم حيث يكون داخلاً في أحد المجتمعين. وبيعة أبي بكر لم تقترن بموافقة الإمام علي بن أبي طالب فلم يتم عندهم الاجماع الذي يكون حجة، ويذهبون إلى أكثر من ذ  لك، فيقولون إنّ الاجماع بكل معانيه لم ينعقد على صحة بيعة أبي بكر، لمخالفة علي (ع) الذي يدور معه الحق حيثما دار، ومخالفة قومه بني هاشم وسعد بن عبادة وابنه وجماعة من كبار الصحابة كسلمان وأبي ذر والمقداد وعمار والزبير وخالد بن سعيد وحذيفة اليمان وبريدة وغيرهم. ولم يبايع من بايع منهم –بعد ذلك – إلاّ قهراً واضطراراً حفظاً لبيضة الاسلام وتوحيداً لكلمة المسلمين، ولايصح بحال أن يدّعي أن هؤلاء ليسوا من أهل الحل والعقد، وهم من نعرف.
"ويقول الشيعة أيضاً:لم يتكرر بعد ذلك تعيين الامام باختيار أهل الحل والعقد، حتى نؤمن بحصول الاجماع على صحة الاختيار في تعيينه، لأن كل خليفة تعيّن إنما تعيّن بنص السابقة عليه يأو بحدّ السيف والقوة، ما عدا علي بن أبي طالب(ع)، وهو إمام بالنص من النبي (ص) ولا شأن لاختيار الأمة في إمامته."[14]
وهكذا اختلف الطرفان (الشيعة والسنّة) وأخذت المسائل تتداخل؛ بعضها آخذ برقاب بعض. ولكننا توصلنا إلى أن النبي (ص) ما فاه ولا ببنت شفة عن قاعدة انعقاد الإمامة باختيار أهل الخل والعقد، مع أن الواجب يدعو للبيان الصريح، كما قلنا آنفاً، فلماذا سكت عن ذلك؟ أكان إهمالاً وتوريطاً للمسلمين في الخلاف والنزاع، أو أنه لم يشرّع مثل هذا التشريع؟
فلو دققنا النظر لوجدنا أ، الثاني هو الأقرب للصحة، وعليه فما قيمة الإجماع –إن تمّ- مع علمنا بأن هذا الأمر ليس من الدين ولم يشرّعه الله على لسان نبيه، على أنّا وجدنا في أبحاثنا السالفة أن البرهان الصحيح يقودنا إلى الاعتراف بفساد هذا التشريع (الإجماع على اختيار الخليفة)، فنعلم بنتيجة أن النبي (ص) لم يشرعه لأمته فلا بد أن نتهم الاجماع المدّعى بإحدى التهم المتقدمة، هذا منجهة، ومن جهة أخرى نحن لا ندري هؤلاء الذين أقدموا على الاجتماع في السقيفة لعقد البيعة بدون مشورة من جميع الموجوممدين في المدينة وغيرهم على أي سنادٍ استندوا و بأية حجة اجمتمعوا والمفروض أن لا حجة إلاّ الاجماع، وهو – على فرضه- بعد لم ينعقد علىصحة عملهم؟ فهذا العمل من أساسه كان بغير حجة قائمة ولا بيّنة واضحة، ولذا قال عمر لسعد بن عبادة:"اقتلوه قتله الله إنه صاحب فتنة". فلأي شيء استحق القتل ولم يكن بدعو إلا إلى نفسه كما دعا غيره؟ ولماذا كان صاحب فتنة؟ ليس إلا لأنّ دعوته من غير حجة قائمة، وإذا كان قد ثبت من النبي صحة انعقاد الخلافة باختيار أهل الحل والعقد، ويكتفي بمثل القوم الذين اجتمعوا في السقيفة يومئذ  فلم يكن قد دعا سعد إلاّ إلأى ما هو مشروع لا يستحق عليه قتلاً ولا غصباً أما النص المروي:"الأئمة من قريش" فلم يكن معروفاً عند المهاجرين يومئذٍ أو أنهم لم يريدوا أن يعرفوه، ولذا لم يستدلوا له ذلك اليوم، بناء على ماهو الصحيح وإنما استدل الخليفة أبو بكر بالقرابة من الرسول (ص) وأن العرب لا تعرف هذا الأمر إلاّ بهذا الحي من قريش.
 
علي (ع) ونص الخلافة:
الحق أن لعلي منزلة كبرى عند أخيه وابن عمه، يغبطه عليهما كل مسلم بل حسدوه عليهما، ولا ينكرها إلا مكابر، حتى أن عائشة على ما بينها وبين علي (ع) مما هو معروف، قالت فيه:"ما رأيت رجلاً أحبّ إلى رسول الله منه، ولارأيت امرأة كانت أحب إليه من امرأته".
وقد كان –صلى الله عليه وآله- يمجّد ويرحب بصهره، عند كل مناسبة من يوم ولد صهره قبل البعثة بعشر سنين إلى يوم فاضت نفسه الزكية في حجره، وهذا مما لا يشك فيه مسلم، ويؤكده حديث المناشدة وهو "أن علياً (ع) قال: نشدكم الله ، هل فيكم أحد صاحب راية رسول الله (ص) منذ يوم بعثه الله إلى يوم قبضه، غيري؟! قالوا: الله لا" [15] والذي مفهمه من الهتمام الرسول (ص) المتواصل بهذا الرجل المتميز، هو أنه إمام المستقبل، وخليفة الرسول (ص) من بعده مع أن الأمويين قد اعتادوا – ومن جاء بعدهم- أن يضخموا منشأن الخلفاء حتى لا يبقى لعلي (ع) فضيلة تذكر، إلا أن تلك المرويات التي خلفوها تكذبها القرائن التاريخية، وتسخر من ابتذالها الألباب الملمة والمحيطة بكل السياق التاريخي الذي نشأ وتحرك فيه الخلفاء الثلاثة.
وأهم المواقف التي كان يرمي من خلالها الرسول (ص) إلى إظهار إمامة علي (ع) في المستقبل ما يلي:
 
أ‌-      يوم الدار:
وهو موقف جرى تحت سمع وبصر صناديد قريش وكبراءها، وعلي (ع) يومها لا يزال في طور الصبا. إذ قرع الرسول (ص) مسامعهم، معلناً اختيار علي (ع) وزيراً له وخليفة من بعده وذلك حين نزلت (وأنذر عشيرتك الأقربين)[16]، فقام الرسول (ص) يدعو أقرباءه، وفيهم أبو لهب فقال(ص):" يا بني عبد المطلب، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أ/رني الله عز وجل أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤمن بي ويؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم"؟ فسكت القوم ولم يجيبوا إلا علي (ع) قال:"أنا يا رسول الله، أكون وزيرك على ما بعثك الله، وبعد أن كررها ثلاثاً، إلتفت إليهم وقال: إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم(أو عليكم) فاسمعوا له، وأطيعوا. فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب، قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع، وجعله عليك أميرا"[17].
كان هسذا أول موقف رسالي في الدعوة إلى الإسلام، طُرِح فيه علي (ع) بقوة، وكان الأمر بانذار العشيرة، وهي أول خطوة للدعوة تزامنت مع طرح إمامة علي (ع)، لما في ذلك من تلازم وتكامل بين الدعوة والإمامة.
 
ب‌-            أحاديث الوصية الأخرى:
وكان من دأبه صلوات الله عليه أن يعلن وصيته لعلي (ع) بشكل واضح لأصحابه كالذي رواه العامة عنه، قال الرسول (ص):"لكل نبي وصي ووارث، وإنّ وصيي ووارثي علي بن أبي طالب"[18]، وعندما نزل قوله تعالى: (إني جاعلك للناس إماماً، قال: ومن ذريتي)، روى الجمهور عن ابن عباس، قال: قال رسول الله(ص) :" انتهت الدعوة إليّ وإلى علي لم يسجد أحدنا قط لصنم، فاتخذني نبياً واتخذ علياً وصيا" ، وفي قوله تعالى: ( وقفوهم إنهم مسئولون).
روى الجمهور أيضاً عن ابن عباس وسعيد الخدري، عن النبي(ص) : " عن ولاية علي بن أبي طالب، ولما آخى بين المهاجرين قبل الهجرة، وبين المهاجرين والأنصار بعدها بخمسة أشهر، اصطفى علياً لنفسه فآخاه، وقال له :" أنت أخي ووارثي، أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" ثم لم يزل يكرر هذه الكلمة في مناسبات كثيرة، منها لما سدّ الأبواب الشارعة إلى المسجد إلا باب علي، ومنها غزاة تبوك لما خلّفه على المدينة سنة 9هـ.
 
ج- ويوم الغدير:
    عندما وصل النبي(ص) من حجة الوداع إلى مكان اسمه " غدير خم" يقع بين مكة والمدينة قرب الجحفة بناحية رابغ سنة10هـ. وأمر بالصلاة، فصلاها بهجير وقام خطيباً على مائة ألف أو يزيدون، حيث تفترق قبائل العرب. وبعد أن نعى نفسه إليهم ذكر الثقلين كتاب الله وعترته، وأنهما لن يفترقا ولن يضلوا بالتمسك بهما أبدا، أخذ بيد علي وقال: أيها الناس ألست أولى منكم بأنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله.. وكرر السؤال عليهم فأجابوا، ثم قال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه( وفي أحاديث كثيرة: من كنت مولاه فعلي وليّه). اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره ، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيثما دار." فلقيه عمر بن الخطاب فقال له: هنيئاً يابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة".
ولسنا نتوقف عند حد الروايات فقط، بل تعدّت الإشارة إلى تنصيب علي وصيّاً للرسول(ص) إلى الآيات الكريمة في مثل قوله" إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون" وغيرها من الآيات مثل آية التطهير، والمباهلة،... مما لا يخفى على باحث منصف.
 
 
الفصل الثاني:
 
تدبير النبي(ص) لمنع الخلاف.
أ‌-      بعث أسامة.
ب‌-            ائتوني بكتف ودواة.
 
 
تدبير النبي(ص) لمنع الخلاف:
أ‌-      بعث أسامة:
           مرض النبي(ص) مرضه الذي انتقل به إلى الرفيق الأعلى، فوجس منه خيفة الفراق، وهو يعلم أن أمته على شفا جرف هار من بحر للفتن متلاطم، والعرب مغلوبة على أمرها، ويخشى من الروم ووثوبها عليهم لأخذ ثارها وهو على حذر منهم، المنافقون بالمرصاد بين ظهراني المسلمين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ويعدّون من أصحابه وهو على المسلمين منهم أحذر، وليس عهد دحرجة الدباب في العقبة ببعيد، وأكثر من ذلك هذه الأخبار التي ترد بخروج الأسود العنسي و مسيلمة يدعيان النبوة فتتكاثر أتباعهما. ما أشد حال النبي(ص) وحزنه، وهو يستدبر أمة هذه حالها وهي تستقبل الفتن كقطع الليل المظلم، وقد رأى مواقع الفتن خلال بيوت المدينة كمواقع القطر كما جاء في الحديث.
ولكنه في هذا الموقف الدقيق مع ذلك يرمي بجيشه إلى مكان سحيق، إذ يعقد اللواء بيده للشاب أسامة بن زيد أميراً على الجيش بعد يوم واحد من ابتداء شكاته بعد أن كان أمرهم بالبعث قبل ابتداء مرضه، ثم يضمّ تحت لوائه شيوخ المجاهدين والأنصار وجلّتهم ووجوههم منهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وعبدالرحمن بن عوف وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص وأسيد بن خضير وبشير بن سعد وغيرهم، ليحارب بهم أهل أبنى بناحبة البلقاء من أرض الشام، أولئك قتلة أبي أسامة- زيد- من الروم. ثم يشدد في الخروج ويلعن المتخلف منهم ويغضب ذلك الغضب لتباطؤ القوم ولغطهم حول تأمير فتى يافع على شيوخ المسلمين، فيقول:" إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل وأيم الله إن كان لخليقاً للإمارة وإن ابنه بعده لخليق للإمارة".
فنجد في هذا الحادث كثيرا مما تعجب له نفوس المتفكرين:
أولا: أن تسند قيادة أعظم جيش اسلامي يومئذ، في ذلك الظرف الدقيق الذي وصفناه في مرض النبي(ص) إلى شاب يافع لم يتجاوز العشرين من سنيه( على جميع التقادير) وهو لم يجرب الحروب بعد وبالأصح لم تسند إليه قيادة من هذا النوع ولا من نوع آخر، والجيش معبأ لجهاد أقوى أعداء الاسلام في ذلك الموقع البعيد عن العاصمة الاسلامية.
ثانيا: أن يؤمر هذا الفتى، مع ذلك على شيوخ المسلمين الذين منهم قواد الحروب ورؤساء القبائل وأصحاب النبي الذين يرون لأنفسهم مقاماً أسمى ومنزلة رفيعة، ويرشحون أنفسهم لمنصب هو أعظم كثيرا من منصب قائدهم الصغير هذا.
ثالثا: أن يتباطأ المسلمون عن الإلتحاق بهذا البعث بالرغم من إصرار النبي(ص) وتشديده النكير على المتخلفين ولعنه إياهم ويكفي أن نعرف أن البعث وقع قبيل شكاته أو في أولها وقد استدامت علته أربعة عشر يوماً (على أوسط التقادير)، وفي كل هذه المدة الطويلة يتثاقل القوم عن الخروج. وقد عسكر قائدهم الفتى بالجرف، وهو يبعد عغن المدينة بفرسخ واحد (بعد أن عقد النبي له الراية بيده الشريفة) ينتظر جيشه المتمرد أن يجتمع إليه، فتخلق الإشاعات عن حال النبي فيرجع أسامة إلى المدينة برايته ويركزها على باب النبي، ولكن الرسول في كل مرة يأمره بالعودة ويخرج، وفي المرة الثانية يرجع ومعه عمرو أبو عبيدة فيجد النبي يجود نفسه، ثم يلتحق بالرفيق الأعلى.
¨ فماذا دهى المسلمين حتى خالفوا الصريح من أمر النبي هذه المدة الطويلة من غير حياء منه ولا خجل ولا خوف من الله ورسوله وتوطنوا على غضبه  ولعنهم جهاراً، أتراهم استضعفوا النبي وهو مريض شاكٍ فتمردوا عليه، أم ماذا؟
رابعاً: أن ينكر هؤلاء المسلمون على نبيهم تأميره لهذا الفتى، ثم لا يرتدعون إن نهاهم عن ذلك. وليس لهم على كل حال حق هسذا الانكار إذا كانوا حقاً قد تغذوا بتعاليم الاسلام وعرفوا أن النبي لا ينطق عن الهوى وما كان لهم الخيرة.
خامساً: أن النبي قد علم بقرب أجله ويعلم أن الفتن قدج أقبلت كقطع الليل المظلم، فكيف يبعد جيشه وقوته عن العاصمة ومركز الدعوة، بل كيف يخلي المدينة من شيوخ المهادرين والأنصار وزعمائهم وأهل الحل والعقد منهم.
¨ فلا بد أن يكون كل ذلك لأمر ما عظيم، أكثر من هذه الظواهر التي يتصورها الناس.
وبناء على كل ذلك لا يسعنا القول إلاّ أن الرسول (ص) أراد:
أولاً: أن يهيئ المسلمين لقبول "قاعدة الكفاية" في ولاية أمورهم, من ناحية عملية , فليست الشهرة و لا تقدم العمر هما الأساس لأستحقاق الإمارة و الولاية , فإذا قال عن أسامة مؤكداً جدارته بالقسم و لام التأكيد :"و أيم الله إن كان لخليقاً للإمارة – يعني زيداً – و إن ابنه لخليقاً للإمارة " . و إذا علمنا أن علي بن أبيطالب هو المهيأ لولاية أمور المسلمين بعد النبي – على الأقل – إن فرض أنه لم يكن هو المنصوص عليه , أفلا يثبت لنا قضية أسامة كانت لقبول الناس إمارة علي على ضغر سنه يومئذٍ بالقياس إلى وجوه المسلمين و كان إذ ذاك لايتجاوز الثلاثين ؟ و هذا ما يفسر به المشكل الأول و الثاني في هذا البحث .
ثانياً : أن يبعد عن المدينة ساعة وفاته من يطمع في الخلافة خشية أن يزيحوها عن صاحبها الذي نصبه لها في الخلافة . و قد ثبت عنه أنه كان يتوجس خيفة على أهل بيته و لا سيما على علي , فوصفهم بأنهم المظلومون من بعده . و لذا نراه أوعب في هذا الجيش كل شخصية معروفة تتطاول إلى الرئاسة , و لم يدخل فيه علياً و لا أحداً ممن يميل إليه الذين كانوا له بعد ذلك شيعة و وافقوه على ترك البيعة لأبي ,فلم يذكروه  وهذا ما يفسر تباطؤ
 البعث وعرقلتهم له بخلق الاش القوم عن البعث وعرقلتهم له بخلق الاشاعات في المعسكر عن وفاة الرسول، مع إصراره (ص)! ذلك الإصرار العظيم. ولم يمكنهم أن يصرحوا بما في نفوسهم، فاعتذروا بصغر قائدهم/ وفي هذا كل معنى التهجين لرأي النبي وعصيان أمره الصريح.. فكان الغرض اخلاء المدينة من المزاحمين لعلي ليتم الأمر له، بعد أ، اتضح للنبي أن التصريحات بخلافته لا تكفي وحدها للعمل بها عندهم، كما امتنعوا عن السير تحت لواء أسامة وهو لا يزال في قيد الحياة، فقدّر أن القوم إذا ذهبوا في بعثهم هذا يرجعون وقد تم كل شيء لخليفته المنصوب من قبله، فليس يسعهم إلاّ أن ينضووا حينئذٍ تحت جماعة المسلمين ورايتهم.
وثالثاً: ـ أن يقلل من نزوع المتوثبين للخلافة، ليقيم لهم الحجة وللناس، بأن من يكون مأموراً طائعاً لشاب يافع ولا يصلح لامارة غزوة مؤقتة كيف يصلح لذلك الأمر العظيم وهو ولاية أمور جميع المسلمين العامة، وهي في مقام النبوة وصاحبها أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فنخلص من ذلك كله إلى أن بعص أسامة لا يصح أن يفسّر إلا بأنه تدبير لاتمام أمر علي بن أبي طالب بمقتضى الظروف المحيطة به من تقدُّم النص على علي وقرب أهل النبي (ص)، وعلمه بأن هناك من لا يروق له ولاية ابن عمه، وبمقتضى الدلائل الموجودة في الواقعة نفسها، من تأمير فتى يافع وتكديس وجوه القوم وقوادهم في البعث وعدم دخول علي ومن يميل إليه وامتناع جماعة عن الالتحاق بالجيش وحث النبي على تنفيذه وغضبه من اعتراضهم وتخلفهم، وهو في مرض الفراق والظرف دقيق  على المسلمين؛ فهذا البعث في الالوقت الذي كان تدبيراً لاخلاء المدينة لعلي وحزبه كان حجة على المستصغرين لسنّه ودليلاً على عدم صلاح غيره لهذا المنصب العظيم، فإذا كان الاخلاء لم يتم لتمانع القوم وعرقلتهم وللبعث فإن الحجة ثابتة مع الدهر.
(  ولو أن القوم كانوا قد امتثلوا الأمر لأصابوا خيراً كثيراً، ولتبدّل سير التأريخ ومجرى الحوادث تبدّلاً لا يحيط به حتى الخيال " ولو أن أخل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون". ولما وقع بعد ذلك من خلاف بين المسلمين وتطاحن وحروب دموية أنهكت قوى الإسلام وأضعفت روحيّة الدين حتى انفصمت عرى الاسلام، فعاد الاسلام كما نشاهد اليوم غريباً كما بدأ.
 
ب- ائتوني  بكتف ودواة:
 
لقد شاهد النبي (ص)  ما كان من أمر عرقلة بعث أسامة، وقد حاول جاهداً لانفاذ البعث ولكن دون جدوى، فلم ينفع معهم صعوده المنبر عاصباً رأسه في أشد حال لا تقله رجلاه مما به، مشدداً عليهم، بسبب ما قالوه في حق أسامة وتخلفهم عن البعث.
هذه كانت أول حادثة –في المدينة- لا يطاع فيها أمر النبي (ص) بل ويتجاهل كلامه، ويتساهل في غضبه، ثم لا يستطيع أن ينفذ هذا الأمر وهو مصر على تنفيذه إلى آخر يوم من حياته إذ دخل عليه أسامة راجعاً من الجرف فأمره بالسير غادياً..
الرسول (ص) في بيته، يجلس على فراش الموت، وجبريل الأمين لا ينقطع عن زيارته، والرسول على علم بما سيجري على هذه الأمة في المستقبل وخصوصاً بعد عصيان أمره، وقد سعى (ص) لتدبير آخر لاتمام الأمر لعلي (ع) فأراد أن يلخص الموقف لأمته حتى تهتدي بعده وتخرج بسلام من المفاجآت التي تتربص بها ونتنظر النبي لتفتح  أشداقها فتعكر صفو الاسلام، فلم يجد خيراً بعد هذا من أن يكتب لهم كتاباً فاصلاً لا يضلون بعده أبداً حيث سيكون أمراً ثابتاً لا يقبل التأويل والنكران والتناسي، لا كالكلام الذي لا يحفظ إلا في الصدور وهو مع ذلك لا يسلم من الخطأ والنسيان.
ولما اشتد به المرض يوم الخميس وفي البيت رجال منهم عمر بن الخطاب، قال (ص):"ائتوني بالكتف والدواة (أو اللوح والدواة)، أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبدا.... فقالوا: إن رسول الله يتهجّر". أو كما قيل:"ان عمر بن الخطاب حال دون هذا التدبير فأوحى منه عقدته المحكمة، فقال: إن رسول الله قد غلبه الوجع –أو ليهجر- وعندكم القرآن وحسبنا كتاب الله!!
فاختلفوا وأكثروا اللغط، فقال النبي :"قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع". أو كما يقيل :"دعوني فالذيꗬÁ‷Љደ¿ကЀ⒦



 

الفصل الثالث:
 
بيعة السقيفة .
 
1-  الدوافع لإجتماع السقيفة .
2-  هل مات النبي محمد (ص) ؟
 
 
 
بيعة السقيفة:-
 
1- الدوافع لإجتماع السقيفة :
 
         تصور الأنصارأنهم الذين آووا و نصروا  يوم عز الناصر, و أسلموا يوم قحط المسلمين,فبذلوا للأسلام نفوسهم و أموالهم ,فكانوا بحق أنصاراً "كما سماهم النبي (ص) ",و " حضنة الإسلام و أعضاد الملة " كما دعتهم الزهراء (ع)في خطبتها الشهيرة عند مطالبتها بالنحلة .
      
       لذلك رأى الأنصار لأنفسهم حقاً في الإسلام لا يغمط , و سابقة ليس لغيرهم لا تنكر , و لهم يد مشهورة و ذكر جميل , وهذا ما يطمعهم في إمارة المسلمين كجزاء لتضحيتهم في سبيل الاسلام وكنتيجة لنجاحهم وتفوقهم على العرب في النصرة والإيواء، هذ من جهة، ومن جهة أخرى أنهم آووا ونصروا من سفّه أحلامهم، وقتلوا صناديدهم وأسروا رجالهم، فكانت الأنصار- والحال هذه- تتخوّف من هؤلاء الذين وتروهم إذا خلصت إليهم الإمارة، أن يؤاخذوهم بما سلف، وكفاهم ما سمعوا من النبي(ص) مخاطباً لهم:" ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض"، أضف إلى ذلك الأمر الثالث، أنه إذا كان صاحب الأمر هو علي بن أبي طالب، فلم يخف على الأنصار حسد العرب له، وهي موتورة له أكثر من أي شخص آخر من المسلمين بعد النبي(ص) فلن تمكنه العرب- وقريش خاصة- من أمورهم.
     وحيث أن الأنصار اعتقدوا بما يوحي إليهم الهوى بتنفيذ رغباتهم التي جرّتها العاطفة فعميت عيونهم عن أوضح  ما يقوم في طريقها من نور للحق، جرّهم ذلك إلى الاجتماع في سقيفتهم سرّاً وانتهزوا فرصة انشغال أصحاب الرسول(ص) وأهل بيته، بفاجعتهم بنبيّهم وبتجهيزه ليحكموا التبعية لأحد نقبائهم، وسيد الخزرج، أو لأي شخص آخر منهم قبل أن يفرغ أهلها أو طالبوها، وحينئذ ظنوا أن سيتم لهم كل شيء.....
ولكن ماذا بعد ذلك؟...
    كان كما يقول برّاء بن عازب" لم أزل لبني هاشم محباً، فلما قبض رسول الله(ص) خفت أن تتمالأ قريش على إخراج هذا الأمر عنهم، فأخذني ما يأخذ الوالهة العجول مع ما في نفسي من الحزن، لوفاة رسول الله(ص) فكنت أتردد إلى بني هاشم، وهم عند النبي(ص) في الحجرة، وأتفقد وجوه قريش فإني كذلك إذ فقدت أبا بكر وعمر وإذا قائل يقول القوم في سقيفة بني ساعدة"
ولكن كيف علم عمر وأبوبكر بخبر اجتماع الأنصار في السقيفة؟...
   لقد انطلق أبوبكر وعمر على حين غفلة ممن كانوا في انشغال بتجهيز رسول الله(ص) وانطلقوا إلى السقيفة ليواجهوا باقي التيارات الأخرى فمنطق الشورى يقتضي وجود سلطة عليا سابقة، ليتحاكم إليها الجميع في الأمر، أما أن يفرض تيار معين نفسه مسئولاً عن تنظيم الشورى، فهذا أمر يناقض أساس الشورى.
 .... وإذا قائل آخر يقول:" قد بويع أبوبكر، فلم ألبث( القائل براء بن عازب أيضا) وإذا بأبي بكر قد أقبل معه عمر وأبوعبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة، وهم محتجزون بالأزر الصنعانية لا يمرون بأحد إلا خبطوه وقدموه فمدوا يده، فمسحوها على يد أبي بكر، يبايعه شاء ذلك أو أبى"
    وليس هذا فحسب .. بل هناك ما هو أمرّ من ذلك ... هناك دعوى تكذيب موت الرسول(ص).
3- هل مات النبي(ص):
    نعم.. كان رسول الله(ص) قد خرج آخر فجر في حياته إلىة الصلاة، فصلى بالمسلمين الغداة، وكان هذا آخر عهدهم برؤية تلك الطلعة المحبوبة، وذلك النور الإلهي، ولم تزل شمس السماء إلا وقد آذنت شمس الأرض بالمغيب من أفقها إلى أفق الحق الدائم، وها هوذا النبي مسجّى بين أهله ينتبون في حظهم، والباب مغلق دون الناس.
     أيّ يوم هو على أهل المدينة والمسلمين.. وأي نعمة فقدوا؟؟.. فقدوا الرحمة والانسانية، فقدوا الأخلاق الإلهية، فقدوا حياتهم وعزّهم ومجدهم، فقدوا طريق الحق اللاحب، وصراط الله المستقيم ونوره المشرق بآياته الباهرة..
فقدوا نبيهم العظيم وأباهم الكريم..
فأعظم بيومه يوما.. وأعظم به فقيدا...
فكان يوم المصيبة العظيمة، فإذا بالغوا في يوم المصيبة، قالوا:" إنه كيوم مات فيه رسول الله(ص)، وما تنتظر من المسلمين ساعة يسمعون الواعية والباب مغلق على من فيه، إلا أن يهرعوا فيجتمعوا في مسجدهم والطرقات، نكّساً أبصارهم، مطأطيء رؤوسهم، ولم تبق عين لم تدمع، ولا قلب لم يجزع، ولا نفس لم تنقطع...
لكن العيون المتسترة وراء رداء الدين حلّقت بفكرها آنذاك في سماء مستقبل هذا الدين الجديد، تستشرف خليفة النبي الذي سيقود الأمة، أما الألباب الحائرة فحامت حول بيت النبوة والوحي ترقب ما يطمئن خاطرها ويهدّئ من روعها ويعرفها مستقبل أمرها.
  ولكن أين عمر بن الخطاب من ذلك كله؟...
" عمر صاحب رسول الله(ص)، ذلك الرجل الحديدي أبى على الناس تصديقهم بموت نبيهم، إذ طلع صارخا ممدداً- وقد قطع عليهم تفكيرهم وهواجسهم- وراح يهتف بهم" مامات رسول الله ولا يموت حتى يظهر دينه على الدين كله، وليرجعنّ فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم ممن أرجف بموته، لا أسمع رجلاً يقول مات رسول الله إلا ضربته بسيفي"
( فلماذا ياترى) رسول الله يقطع أيدي وأرجل ممن أرجف بموته؟... أو بالأصح من قال بموته؟.. ولأي ذنب يستحق الضرب بالسيف هذا القائل؟ ومن أين علم أن رسول الله لا يموت حتى يظهر دينه على الدين كله؟ وما هو هذا الرجوع؟ أرجوع بعد الموت أو بعد غيبة.. كغيبة موسى بن عمران كما يدعها عمر بن الخطاب في بعض الحديث، ولكنها أيّة غيبة هذه وهو مسجى بين أهله لا حراك فيه؟........
لقد استعمل عمر المغريات الخلابة للجماعات مع دعوة ثائرة صارمة، فبدأ يبث الأمل بحياة الرسول(ص)، وإظهار الدين إلى توعيد بقطع رسول الله أيدي وأرجل المرجفين بموته، وتهديد منه( أي عمر) بقتل من يقول مات رسول الله.
    إن الخوف والأمل إذا اجتمعا مع هذا الرأي القاطع والإرادة الصارمة فإن لهما التأثير العظيم الذي لا يوصف على أفكار الجماعة الاجتماعية خصوصاً أن تلك الجماعة مضطربة الأفكار- آنذاك- وفي ذلك التجمع الفجائي، المتأثر بهذا الحدث العظيم، المتحفّز للحوادث المجهولة والمفاجآت المنتظرة.
 
       و من البديهي أن الإجتماع الذي يتألف على هذا النحو تتكون فيه روح واحدة مشتركة حساسة تتغلب على نفسيات أفراده الشخصية , و تكون هذه الروح خاضعة لؤثرات لا حكم لها غالباً على روحية الفرد
الفرد لو كان خارج الإجتماع , و أهم خواص هذه الروح أنها تكون عرضة للتقلبات و الإنقلابات الفجائية و يبطل فيها حكم العقل و سلطانه , و يقوى سلطان المحاكاة و التقليد الأعمى . و لذلك لا تفكر الجماعات إلا بأحط فكرة فيها ,و تقبل أيضاً كل فكرة تعرض عليها إذا اقترنت بالمؤثرات الخلابة , و إن خرجت عن حدود المعقول , و من أقوى المؤثرات شخصية الخطيب و صراحة رأيه.
      فلا نستغرب قناعة المسلمين يومئذٍ برأي عمر بقدر ما نستغرب منه نفسه هذا الرأي ,و إن لم ينقل لنا صريحاً قبولهم له , كما لم ينقل في الوقت نفسه اعتراض أحد عليه سوى أبي بكر و قد جاء متأخراً . فوا عجبا! من شدة تأثير كلام عمر على الجماعة مما ألجأ أبي بكر حين جاء من السنح[1]أن يكشف عن وجه النبي ليتحقق من موته ثم يخرج إلى الناس مفنداً مزاعم عمر , و عمر مستمر يحلف أنه لم يمت , و طلب إليه أن يجلس , فلم يجلس ,ثلاث مرات , فقال له :"أيها الحالف على رسلك " ثم قام خطيباً في ناحية أخرى و قد اجتمع حوله الناس ,فتشهد و قال – و عمر مستمر _و قد تركه الناس :
        "من كان محمداً فإن محمداًقد مات , و من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت " ثم تلا هذه الآية الكريمة {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم     }[2]
         كانت تلك خطة حاكها من أراد الأمر لنفسه فلم تكن كلمات أبي بكر تلك الحجة التي تقنع من كان بتلك الصرامة – ألا و هو عمر – فتردعه عما هو فيه
        إنما هو تدبير محكم ليلهي الناس عن الإستباق إلى بيعة علي(ع) قبل مجيئ أبي بكر
        و ماذا بعد؟!
بعدها بدأت مأساة الأمة الكبرى محن و عذابات جرتها فراعنة السقيفة!!
 
 
الخاتمة:-
 
       لقد عرضت وريقاتي القليلة التي حصلت على أرض الواقع في ذلك الزمن , زمن كان فيه رسول الله (ص) قد بذل جهداً واسعاً لإصلاح الأمة و إعادتها إلى الصواب . و لكن سرعان ما وجدت أيدي الكفر ثغرات , استطاعت بفضلها تحقيق أهدافها الخبيثةمن خلال دولة الإسلام . من دعوى كاذبة مفادها أن أمر الخلافة موكل إلى الأمة .. إلى مخالفة أمر الرسول في تنفيذ بعث أسامة , ثم القول بأن الرسول (ص) يهجر و... إلى غيرها من التلفيق و التزوير في الحقائق حتى انتهى الأمر إلى ما يسمى (بالشورى) في سقيفة بني ساعدة . فبعضٌ من الأمور حدثت و الرسول شاهد .... و أخرى كان (ص) قد انتقل إلى جوار ربه .
 
        الا أنه لما انتهى الأمر بالناس إلى مبايعة أبي بكر خليفة , أمسى عل] سلام الله عليه بين أمرين لا ثالث لهما .... إما أن يستسلم للأمر الواقع .... فيترك فيترك كل مطالبة إبقاءً لكلمة الإسلام.. و إما أن يجاهد حتى يثبت حقه ... و هو نفسه قال :" و طفقت أرتئي بين أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء ... و لما اختار الأمر الأول , و هو أعرف بما اختار إذ يقول : "فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى " فلم يبقى وجه لمطالبته العلنية بالخلافة , و قد طوى عنها كشحاً و أسدل دونها ثوباً ... فرحمك الله ياأبا الحسن ... و لو

 
  روابط ذات صلة
· زيادة حول دراسات وبحوث
· الأخبار بواسطة مديرة الحوزة


أكثر مقال قراءة عن دراسات وبحوث:
فدك الزهراء...............الطالبة زينب عبدالله


  تقييم المقال
المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
سيئ



  خيارات

 صفحة للطباعة  صفحة للطباعة

 أرسل هذا المقال لصديق  أرسل هذا المقال لصديق

المواضيع المرتبطة

دراسات وبحوث

الحقوق محفوظة حوزة الغريفي للدراسات الإسلامية - قسم النساء
1426 هجرية - 2005 ميلادية